وُلِد إياسُ بن معاوية بن قُرِّةَ
المزني سنة (46) للهجرة في منطقة اليمامة في نجد، وانتقل مع أسرته إلى البصرة،
وبها نشأ وتعلَّم، وتردَّد على دمشق في يفاعته، وأخذ عمن أدركهم من بقايا الصحابة
الكرام وجِلَّة التابعين، ولقد ظهرت على الغلام المزني علائِمُ النجابة ، وأماراتُ
الذكاء منذ نعومة أظفاره . وجعل الناسُ يتناقلون أخبارَه ونوادرَه، وهو ما زال
صبيًّا صغيرا. رُوِي عنه أنه كان يتعلَّم الحساب في كتَّاب لرجل من أهل الذِّمة،
فاجتمع عند المعلِّم أصحابٌ له، وجعلوا يتكلَّمون في أمور الدين، وهو ينصت إليهم
من حيـث لا يدرون، فقال المعلِّم لأصحابـه: ((ألا تعجبون للمسلمين
فهم يزعمون أنهم يأكلون في الجنة ولا يتغوَّطون! فالتفت إياسٌ إليه، وقال:
أتأذن لي يا معلِّم بالكلام فيما تخوضون فيه؟ قال: نعم تكلَّم، قال الفتى:
أكلُّ ما يُؤكل في الدنيا يخرج غائطا؟ فقال المعلِّم: لا، قال: فأين يذهب الذي لا
يخرج؟ قال المعلِّم: يذهب في غذاء الجسم, قال الفتى: فما وجهُ الاستنكار منكم, إذا
كان يذهب بعضُ ما نأكله في الدنيا غذاءً, أن يذهب كلُّه في الجنة في الغذاء؟)) طبعا قسمٌ من الغذاء
يسهم في بناء الخلايا ، وقسم يخرج، وقسم يبقى، كما قال النبيُّ الكريم: إن نوحا لم
يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأخرج عني
أذاه .
وبينما تقدَّم الغلامُ سنةً بعد سنة، تقدَّمت
مع هذه السنين أخبارُ ذكائه أينما حلَّ، فدخل دمشق وهو لا يزال غلاما، فاختلف مع
شيخ من أهل الشام في حقٍّ من الحقوق، ولما يئس من إقناعه بالحجَّة، دعاه إلى
القضاء، فلما صار بين يدي القاضي احتدَّ إياسٌ، ورفع صوته على خصمه، فقال له
القاضي: ((اخفِض صوتك يا غلام، فإن خصمك شيخ كبير السن
والقدر، فقال إياس: ولكن الحقَّ أكبر منه، فغضب القاضي، وقال: اسكُت، فقال الفتى:
ومَن ينطق بحجتي إذا سكتُّ ، فازداد القاضي غضبا، وقال: ما أراك تقول منذ دخلت
مجلس القضاء إلا باطلا، فقال إياس : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال
له: أحقٌّ هذا أم باطل؟ فهدأ القاضي, وقال: حقٌّ و ربِّ الكعبة)) أحيانا الإنسان على صغر سنه, يُؤتى الحجة البالغة
في وقتها، ولا تُقدَّر بثمن .
تابع....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق